السودان هو الضحية الأولى

alianini@yahoo.caعلي امين احمد عنيني

السودان هو الضحية الأولى محمد سيف الدولة ان بتر الجنوب عن السودان وعن الوطن العربى ، ليس سوى الخطوة الأولى فى المشروع الامريكى الصهيونى الجارى على قدم وساق لإعادة تفتيت كل الدول العربية من المحيط الى الخليج . وهو مشروع ثابت فى كل وثائقهم المعلنة والمحجوبة : 1) فكانت أول هذه الوثائق هى الرسائل المتبادلة بين بن جوريون وموشى شاريت عام 1954 ، الداعية الى إقامة دويلة مارونية فى لبنان في اتجاه السعي لتقسيمه لعدة دويلات طائفية على النمط الصهيونى . ثم تم احياء ذات المشروع مرة أخرى أثناء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، ولكن القوى الوطنية تصدت له و أفشلته . * * * 2) و فى 1982 نشرت مجلة كيفونيم لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية دراسة بعنوان إستراتيجية اسرائيل فى الثمانينات ، قمت بنشرها تحت عنوان الوثيقة الصهيونية لتفتيت الأمة ، جاء فيها بوضوح : ضرورة إعادة تقسيم العالم العربى والاسلامى الى دويلات أكثر بكثير من تلك التى صنعتها سايكس بيكو ، و التى لم تراع الفوارق والتناقضات الطائفية والمذهبية المتعددة القائمة فى هذا العالم الورقى الهش . وطرحت الوثيقة تصورات محددة عن أهدافها فى كل قطر : فمصر يجب تقسيمها الى دولتين قبطية واسلامية أو أكثر ، والعراق الى ثلاثة دويلات: كردية وشيعية وسنية . والسودان الى أربعة دويلات : عربية سنية و افريقية ووثنية و مسيحية ، وهكذا .. * * * 3) وتأكدت نفس هذه الإستراتيجية فى محاضرة حديثة لوزير الأمن الداخلى الصهيونى "آفى ديختر" فى سبتمبر 2008 ، ألقاها فى معهد أبحاث الأمن القومى الاسرائيلى ، حين تحدث عن السودان قائلا : § انه لا يجب السماح للسودان ان يصبح قوة مضافة الى قوة العالم العربى § ولابد من العمل على إضعافه وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة § فسودان ضعيف ومجزأ وهش أفضل من سودان قوى وموحد وفاعل § وهو ما يمثل من المنظور الاستراتيجي ضرورة من ضرورات الأمن القومى الاسرائيلى § ولقد تبنى كل الزعماء الصهاينة من بن جوريون وليفى اشكول وجولدا مائير واسحاق رابين ومناحم بيجين وشامير وشارون واولمرت خطا استراتيجيا واحدا فى التعامل مع السودان هو : العمل على تفجير أزمات مزمنة ومستعصية فى الجنوب ثم دارفور § وانه حان الوقت للتدخل فى غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل لتكرار ما فعلته اسرائيل فى جنوب السودان § وان الدور الامريكى فى دارفور يسهم بشكل فعال فى تفعيل الدور الاسرائيلى § وأن أمريكا مصرة على التدخل المكثف فى السودان لصالح انفصال الجنوب وانفصال دارفور على غرار ما حدث فى كوسوفو . § وان اسرائيل نجحت بالفعل فى تغيير مجرى الأوضاع فى السودان ، فى اتجاه التأزم والتدهور والانقسام ، وهو ما سينتهى عاجلا ام آجلا الى تقسيمه الى عدة كيانات ودول مثل يوغوسلافيا . § وبذلك لم يعد السودان دولة إقليمية كبرى قادرة على دعم الدول العربية المواجهة لإسرائيل . * * * 4) وبعد احتلال العراق : تسربت وثيقة من وزارة الخارجية الأمريكية ، تتحدث عن ان البداية هى العراق ثم سوريا ولبنان فالسعودية والجائزة الكبرى مصر . وكان من الواضح أن الأمريكان بعد ان احتلوا العراق ووضعوا أرجلهم وجيوشهم في المنطقة قرروا ان يتبنوا الخطة التى وضعتها بعثتهم وقاعدتهم العسكرية الأولى فى المنطقة المسماة بـ ( اسرائيل) وقد قام الكونجرس الامريكى بالفعل فى خريف 2007 بإصدار قرار صريح غير ملزم يطالب بتقسيم العراق الى ثلاثة دويلات . * * * 5) أما تنفيذ عملية فصل الجنوب السودانى عن العالمين العربى والاسلامى ، فلقد بدأت خطواتها منذ منتصف تسعينات القرن المنصرف : • فبدأت بتوقيع العقوبات على السودان . • و ضرب مصنع الشفاء السودانى للأدوية بحجة انه ينتج أسلحة كيماوية . • ودعم دول الجوار السودانى مثل إثيوبيا و أوغندا واريتريا وكينيا ، للتحرش العسكرى المستمر بالسودان • و توظيف ما يسمى بمنظمة الإيجاد ، لتولى الجانب السياسى والقانونى فى إخراج عملية الانفصال من خلال ما سمى بتفاهم ماشكوس عام 2002 الذى الذى كان هو المقدمة لمعاهدة نيفاشا الانفصالية عام 2005 . • ثم وضع ملف السودان تحت بند الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، الذى عادة ما يكون مقدمة لإست خدام القوة لإخضاع النظم "المارقة" • ثم إرسال البعثات الدبلوماسية ونشر القوات الدولية هناك جنبا الى جنب مع منظمات ومراكز حقوق الانسان فى طاحونة جهنمية للضغط والتشهير والعقاب • وتوظيف المحكمة الجنائية الدولية لمطاردة رموز النظام السودانى وتوقيفهم كأداة إضافية للابتزاز والضغط والترويض والإخضاع . • ثم يأتى الدور الصهيونى فى تسليح الجنوب وتدريبه ، والحيلولة دون نجاح النظام السودانى فى إنهاء الحرب الأهلية لصالحه . • وما يتواتر من معلومات عن الوجود والنشاط الصهيوينى هناك ، وما يعلنه قادة الجنوب باستمرار عن نواياهم فى إقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل • ثم التهديدات الأمريكية المباشرة ضد أى تعويقات سودانية لإجراءات الاستفتاء الانفصالي . • وتحييد الدول العربية وبالذات مصر من التدخل ، وإبعادها تماما عن هذا الملف وتجاهل لمبادرتها المشتركة مع ليبيا ، وتغليب مبادرة الإيجاد المذكورة عليها . * * * 6) أما لماذا كان السودان هو أضعف الحلقات، وباكورة الأقطار العربية المنكوبة بالتفتيت ؟ ولماذا يوجد نزوع شعبى جنوبى نحو الانفصال ؟ فانه لا يمكن فهم ذلك بدون التعرف على دور الاحتلال البريطاني للسودان 1898 ـ 1955 ، فى تأسيس وبناء عوامل الانفصال منذ زمن بعيد . ووفقا لدراسة مهمة أعدها المؤرخ الراحل يونان لبيب رزق عن هذا الموضوع ، فلقد قامت الإدارة البريطانية خلال نصف قرن بالتالى : • إضعاف الثقافة العربية من خلال إحلال اللغة الانجليزية محل العربية فى التعليم والمكاتبات الرسمية • وتشجيع انتشار اللهجات المحلية وتحويلها الى لغات مكتوبة • إحلال الموظفين الجنوبيين محل الشماليين • وإبعاد الموظفين المتحدثين بالعربية ولو كانوا جنوبيين • ومنع التجار الشماليين من الوصول الى الجنوب • واستبدالهم بالتجار اليونانيين والسوريين المسيحيين • وتشغيل الموظفين من غير المسلمين فى الإدارة بهيئاتها الكتابية والفنية • وإخراج قوات الجيش المصري المعسكرة فى الجنوب • وإخراج الموظفين المصريين والسودانيين من الجنوب • وعند الضرورة ، إرسال كتبة من المصريين يختارون من الأقباط • وتبنى سياسة رسمية بالحفاظ قدر الإمكان على جنوب السودان بعيدا عن التأثير الاسلامى • فانجلترا كدولة مسيحية لا يمكنها ان تشارك فى سياسة تشجيع انتشار الإسلام بين شعب يزيد على ثلاثة ملايين وثنى • فانتشار التعصب الدينى بين شعوب انتشر الإسلام فيها مؤخرا قد يترتب عليه نتائج مدمرة • وتنصيب يوم الأحد عطلة اسبوعية بدلا من الجمعة • وتكليف الإرساليات التنصيرية بمنع انتشار الاسلام • والاستعانة بها لتنفيذ ما أسموه تمدين البشر • وتكليفها بإدارة العملية التعليمية • ولا زال المنصرون حتى يومنا هذا يشكلون المؤسسة التعليمية الوحيدة فى الجنوب • وحظر دخول اى شخص شمالي او غير سوداني الى الجنوب الا برخصة • إقامة خط يفصل الزنوج عن الاراضى العربية يمتد من الشرق الى الغرب • وغيرها الكثير من سياسات واجراءات ، زرعت ، على امتداد نصف قرن ، ألغام الانفصال ، وحالت دون اتمام عملية التفاعل والاندماج الطبيعى بين شعب السودان الواحد . * * * • وبعد الإستقلال فى 1955، وللأسف الشديد ، فشلت الانقلابات والحكومات المتعاقبة فى إصلاح و معالجة آثار ما فعله الانجليز فى الجنوب . • وهى فى ذلك لا تختلف كثيرا عن حالة الوهن والفشل العربى العام الذى استفحل بعد عصر الهيمنة الأمريكية 1990ـ 2010 • وللحديث بقية باذن الله . * * * * * القاهرة فى 30 ديسمبر 2010

الأربعاء | 05/01/2011 - 12:07 صباحاً


التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر موقع بلدية علار الالكتروني